X

اليونسكو

بدأت خدمة منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلوم والثقافة (اليونسكو) لقضية فلسطين في آب 1950 حين تعاونت مع وكالة الأمم المتحدة لاغاثة وتشغيل اللاجئين في الشرق الادنى* (الأونروا) على تعليم أبناء اللاجئين الفلسطينيين في الأردن ولبنان وسورية وقطاع غزة فتقدمت بعض الصناعات المالية والخبراء وأشرفت على التوجيه التربوي لهذا التعليم وعلى رفع مستواه. وما يزال هذا التعاون قائما.كما شاركت اليونسكو في توجيه التعليم والتدريب للميادين التي ينقص فيها المختصون في البلاد المضيفة للاجئين الفلسطينيين وفي سائر البلاد العربية، كالتدريب المهني والفني وتأهيل المعلمين للمدارس الابتدائية والمتوسطة، فسهلت بذلك تشغيل المتخرجين من مدارس الأونروا في الوطن العربي.

أ- منظمة التحرير الفلسطينية في اليونسكو: انتهت اليونسكو منذ البداية إلى أن اللاجئين جزء أصيل من الشعب الفلسطيني يسعى لاستعاده أرضه وحريته.فلا بد له في المستقبل من قادة ومختصين على المستوى العالمي. فعملت على أن تقدم لهم المنح للدراسات الجامعية في الوطن العربي وخارجه. واختارت من المؤهلين الاكفياء بعض الخبراء للعمل في الأونروا أو في البلاد العربية. وأشركت الفلسطينيين في الدورات التدريبية ومؤتمرات الوزراء التي نظمتها. وكان ممثلو الشعب الفلسطيني يشتركون فيها في بداية الأمر بوصفهم أعضاء في وفود جامعة الدول العربية. ثم صاروا يشتركون فيها بوصفهم ممثلين لمنظمة التحرير الفلسطينية* التي اعترفت بها اليونسكو في مؤتمرها العام الثامن عشر المنعقد في باريس في خريف عام 1974 ومنحتها مركز “عضو مراقب” بقرار المؤتمر العام رقم 18/1730 الصادر في تشرين الأول 1974.

ب- التربية والتعليم: أفاد تعاون اليونسكو والأونروا لتعليم أبناء اللاجئين البلاد العربية عامة والفلسطينيون والبلاد المضيفة لهم (مصر والأردن ولبنان وسورية) خاصة.

ومن الملاحظ أن هذا العمل المشترك قصر في بعض الميبادين (كتعليم اللغات) وتسرع في بعض الميادين الأخرى فلجأ إلى توقيع الطلاب للصفوف العليا آليا بغير امتحان لتوفير الأمكنة للقادمين الجدد. ولم يتابع المتابعة الواقية النشاط الذي بدأه في مكافحة الأمية ونشر التربية الأساسية وتأخر في الخروج بالتعليم من الخيم والأماكن المرتجلة إلى الأبنية الصالحة. وقد نجح هذا العمل المشترك مع ذلك نجاحا لا ينكر في تدريب المعلمين وتأهيل الموظفين منهم والتوثيق بين التعليم المهني وحاجات الفلسطينيين والبلاد المضيفة لهم. وكان له الأثر الملموس في ادخال التعليم المبرمج والرياضيات الحديثة وتعليم اللغة الأجنبية بالأفلام الناطقة وتطوير التعليم النسوي لشؤون المنزل ورعاية الأسرة وتحسين تعليم العلوم وتطبيقاتها العملية باستخدام المخابر الفيزيائية – الكيمائية المجموعة في خزائن صغيرة قليلة الثمن سهلة النقل والاستعمال. وكان من آثاره أيضا انشاء معهد تربوي لاجراء البحوث التربوية المفيدة. وقد فتح هذا التعاون بين المنظمتين أمام الشبان الفلسطينيين أبواب المراكز الاقليمية التي أقامتها اليونسكو للتخطيط التربوي (بيروت) والتنمية الاجتماعية (سرس الليان بمصر) والأبنية المدرسية (الخرطوم) والتعليم الفني (تورينو بايطاليا). ووسع كذلك مجالات التعليم العالي لأبناء اللاجئين داخل الوطن العربي وخارجه.

ازداد حجم هذا البرنامج المشترك للمنظمتين ازديادا كبيرا بمرور الأعوام. فقد كان عدد المدارس المشتركة 104 عام 1951. و459 عام 1971. ثم بلغ عددها 619 عام 1979. وكان في الأونروا خير واحد عام 1951 فوصل عدد الخبراء إلى 30 عام 1971.

أوقع هذا الأزدياد المستمر الأونروا المحدودة الموارد في عجز مالي بدأ عام 1969 واستمر في السنوات التاليات. وكانت اليونسكو تساعدها في كل مرة فتزيد في معونتها المالية قدر طاقتها وتقدم لها الخبراء الشبان الذين وضعتهم حكوماتهم تحت تصرف اليونسكو. وكانت تشترك مع منظمة الأمم المتحدة والأونروا في ارسال البعثات للبلاد العربية وغير العربية على المستوى العالي لاستجلاب المساعدات الاضافية وجمع التبرعات لسد العجز المتكرر المتفاقم في ميزانية وكالة الاغاثة.

أكثر المدارس التي تشترك اليونسكو والأونروا في توجهها وتسييرها توصل في تعليمها الثانوي إلى السنة الرابعة الاعدادية. وأما الطلاب الراغبون في انهاء الدراسة الثانوية فيتابعون درسهم في ثانويات البلد المضيف ويحصلون فيها على اجازة انهاء الدراسة الثانوية.

ج- بعد حرب 1967: كانت “التوجيهية” المصرية في قطاع غزة هي الشهادة التي يستعد لها الطلاب المتمون لدراستهم الثانوية. فلما وقعت حرب 1967* وانقطعت المواصلات بين غزة ومصر خاف شباب غزة على مستقبلهم وشعروا مع أهليهم بقلق شديد. ولذلك انبرت اليونسكو المتوسط في حل هذه المشكلة التربوية الجديدة فاتفقت مع حكومة مصر وسلطات الاحتلال الصهيوني على اجراء أعاد لعزة امتحانات الشهادة التوجيهية باشراف وزارة التعليم المصرية ومراقبة اليونسكو ومساعدة الأونروا والسلطات المحتلة. وتقدم الى هذه الامتحانات في آب 1969 قرابة سبعة آلاف طالب نجح منهم 5,109 ذهب منهم 1,031 طالبا للدراسة الجامعية في مصر. وبلغ عدد المتقدمين إلى هذه الامتحانات عام 1978 6,741 طالبا نجح منهم ستون بالمئة.

وشاركت اليونسكو أيضا في معالجة مشكلة تعليمية سياسية أخرى هي مشكلة الكتب المدرسية ذات الأبعاد الثقافية والتوجيهية الهامة. وقد ظهرت هذه المشكلة بعد حزيران 1967 واحتلال (اسرائيل) القدس والضفة الغربية وقطاع غزة وجزءا من الجولان. فقد صارت المدارس المشتركة في هذه المناطق خاضعة لرقابة سلطات الاحتلال الصهيوني التي منعت كل الكتب المدرسية التي اشتملت فيها الطعن (باسرائيل) أو التحريض على معاداتها. وشمل هذا المسح أكبر الكتب المدرسية، الأمر الذي أدى إلى تعطيل دراسة الطلاب. ولذلك سارعت اليونسكو إلى تأليف لجنة عالمية درست هذه الكتب دراسة مفصلة وسمحت بتدريس بعضها دون تغيير وبعضها الآخر بعد الحذف والتعديل. وما تزال الكتب المدرسية حتى اليوم من المشكلات التعليمية المستمرة.

يظهر مما تقدم ان اليونسكو خدمت الفلسطينيين في ميدان التربية والتعليم بالتعاون مع الأونروا في أكثر الأحيان. فلما كانت حرب حزيران 1967 استمرت هذه الخدمة التربوية واتسعت فشملت بالاضافة إلى العمل المشترك مع الأونروا كل الشؤون التعليمية في الأراضي المحتلة. ثم انها شملت الشؤون الثقافية بمختلف وجوهها بغية الحفاظ على الشخصية العربية الفلسطينية وتسميتها في اطار أصالتها ووفق حاجاتها المستقبلية.

يقابل هذا التطور الكبير في ميادين العمل اتساع وتغير في أجهزة التنفيذ.فقد كانت الدوائر التربوية في اليونسكو والأونروا والبلاد المضيفة هي المسؤولة عن التعاون فيما بينها.وأما بعد حزيران 1967 فقد دخلت في تحقيق التعاون الدوائر الثقافية فيها. وانتقلت المسرولية الكبرى في التوجيه والتخطيط وحل النزاع إلى المؤتمر العام لليونسكو ومجلسه التنفيذي، وإلى الجمعية العامة للأمم المتحدة ومجلس الأمن، وإلى حكومات البلاد المضيفة، وإلى سلطات الاحتلال، ولا سيما السلطات العسكرية التي لم تكن في الغالب حريصة على هذا التعاون.

ومنذ أن اتخذ المؤتمر العام لليونسكو في دورته الثامنة عشرة (تشرين الثاني 1974) قراره رقم 13/1 الذي أكد فيه حق سكان الأراضي العربية المحتلة في التمتع بالتعليم الوطني والثقافة الوطنية، ودعا فيه المدير العام لليونسكو أو الاشراف على سير العمل في المؤسسات التعليمية والثقافية في الأراضي المحتلة والتعاون مع الدول العربية المعنية ومع منظمة التحرير الفلسطينية، أخذت السلطات المحتلة تتأخر في التفاوض والتنفيذ وتعترض عليه. ولذلك أخذت اليونسكو قرارات متتالية مطالبة سلطات الاحتلال رسميا بالالتزام بالقرار 13/1 الآنف الذكر. كان آخرها قرار المؤتمر العام العشرين (1978). ولكنها لم تصل بعد ذلك إلى جواب ناجع. وليس ما يدعو إلى التفاؤل في امكان تنفيذ هذه القرارات من قبل السلطات المحتلة. وقد أدى ذلك إلى تردي الوضع التعليمي بتردي الوضع السياسي فأخذت سلطات الاحتلال تغلق الجامعات الناشئة في الأراضي المحتلة مثل جامعة بيرزيت* وجامعة بيت لحم* وجامعة النجاح* في نابلس ما بين غزة وأخرى ولمدد طويلة في أكثر الأحيان.

د- الجامعة الفلسطينية المفتوحة: بسبب تردي الأوضاع التعليمية في صفوف الشعب العربي الفلسطيني داخل الأرض المحتلة برزت فكرة جامعة فلسطين خارج الوطن المحتل فدعا الصندوق القومي الفلسطيني* منظمة اليونسكو عام 1975 إلى دراسة الأمر والمساعدة في العثور على حلول مناسبة، وطالب بأن تقوم اليونسكو بتقويم جدوى اقامة نظام تعليم مفتوح للفلسطينيين. وقبلت اليونسكو القيام بما طلب اليها فشكلت مجموعة عمل خاصة بهذه المهمة تتكون من مثقفين ومختصين منها ومن منظمة التحرير الفلسطينية ومن الصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي. وأجرت المجموعة الدراسة التمهيدية للجامعة الفلسطينية المفتوحة في شهر أيلول من عام 1976. وكان من بين ما أوصت به القيام بدراسة شاملة لجدوى هذا المشروع. وتنفيذا لهذه التوصية عقدت اليونسكو ومنظمة التحرير الفلسطينية والصندوق العربي للانماء اتفاقا ثلاثيا في شهر كانون الأول من عام 1977. وقد تم بحسب أحكام هذا الاتفاق تكليف اليونسكو أن تكون الوكيل المنفذ لدراسة الجدوى.

ووافقت اليونسكو كذلك على المساهمة بمبلغ 76,000 دولار أمريكي من موازنة برنامجها العام للقيام بهذه الدراسة. ووافق الصندوق العربي للانماء الاقتصادي والاجتماعي على المساهمة بمبلغ 382,000 دولار أمريكي لمنظمة اليونسكو (اعتماد حساب المشروع). واتفق الأطراف الثلاثة على تشكيل لجنة استشارية تتكون من ممثلين اثنين عن كل طرف لتقديم المشورة لفريق العمل الذي تم تشكيله من الاختصاصيين والخبراء ومبدأ أعماله في شهر نيسان عام 1979 مستهديا بمجموعة المهام التي حددتها الدراسة التمهيدية. وعكف على معالجة عدد من القضايا من بينها نوع التعليم المفتوح الملائم وحاجات الشعب الفلسطيني، سواء في فلسطين المحتلة أو في المناطق المحيطة بها، والفئات التي سيخدمها هذا النظام، ونوع الوسائل التي ستسخر لنقل المعارف إلى الطلبة، وتكاليف اقامة مثل هذا النظام. وقد استهدى فريق العمل في دراسته بتجارب الجامعة المفتوحة في كل من بريطانيا واليابان.

وقد أعد فريق العمل دراسة عن جدوى الجامعة المفتوحة. وبعد قبولها من الأطراف الثلاثة صدرت الدراسة عن منظمة اليونسكو في أيلول 1980، ثم صدرت عن مجلس الشؤون التربوية لأبناء فلسطين* في منظمة التحرير الفلسطينية بالعربية في آذار 1981.

وبناء على الدراسة السالفة الذكر شكلت اللجنة التنفيذية للمنظمة حين مختصة لمتابعة موضوع تنفيذ مشروع الجامعة المفتوحة وايجاد مكتب دائم لها وعين الدكتور ابراهيم أبو لغد رئيسا لهذه الجامعة.

هـ- القدس: عالجت اليونسكو مشكلة القدس بعد أن احتلتها (اسرائيل) في عدوان 1967 وصادرت كثيرا من أراضيها وعددا كبيرا من المساجد والمباني والممتلكات الثقافية والأبنية التاريخية والمدارس المشهورة القائمة فيها وهدمت أكثر الأحياء العربية القديمة مثل حي المغاربة وحي الشرف وسوق الخضر والمسجد الشافعي، وبعد أن اعتدت على الطابع الثقافي للقدس العربية فأوالت معالم ستمائة بناء ومقامات دينية ومساجد مملوكية وأيوبية. وشوهت النظر التاريخي للمدينة بتطويق خط المدينة بسوار خانق من العمارات الحديثة العالية، وقامت بتنفيذ خطة واسعة للحفريات، ولا سيما تحت المسجد الأقصى وحواليه والأمكنة المجاورة له. بحجة كشف للعالم الباقية من ماضي ما يسمى المدينة اليهودية. وقد خالفت (اسرائيل) في أعمالها هذه اتفاقية لاهاي لحماية الممتلكات الثقافية في حالة النزاع المسلح (عام 1954) وتوصية نيودلهي بشأن منع الحفريات الأثرية في الأراضي المحتلة (عام 1956).

وفي 21 آب 1969 وقع احراق المسجد الاقصى* في القدس فغضب العالم لهذا العمل الذي دس مكانا مكونا لدى التربية جمعاء. وأصدر مجلس الأمن قراره رقم 271 (15/9/1969) الذي طلب فيه من (اسرائيل) التخلي عن أعمالها المؤدية إلى انتهاك القرارات السباقة والغاء الاجراءات والأعمال التي قامت بها لتغيير وضع القدس.

ازاء كل هذه الاعتداءات والمخالفات كان لا بد لمنظمة الأمم المتحدة من التدخل لوقف ضم القدس العربية وتهويدها وجعلها عاصمة للكيان الصهيوني. وكان لا بد لمنظمة اليونسكو من التدخل لصيانة معالم القدس الأثرية وممتلكاتها الثقافية لما تمثله من تراث تاريخي ديني ثقافي للبشرية جمعاء. وكان تدخلها هذا موضوع مناقشات مستمرة ثارت في الندوات المتتالية لمجلسها التنفيذي ولمؤتمرها العام منذ عام 1968 حتى الآن. وقد أصدرت اليونسكو في هذا الشأن قرارات متعددة منها المطالب بوقف الاعتداء، ومنها المؤيد لاستمرار وجود اليونسكو ممثلة في القدس لضمان وقف الاعتداء، ومنها المشير إلى التدابير القسرية لحمل (اسرائيل) على احترام قرارات اليونسكو. ومن هذه القرارات التي اتخذها المؤتمر العام في دوراته المختلفة.

1) القرار 15م/3343 (تشرين الأول 1968) الذي دعا (اسرائيل) إلى المحافظة على الممتلكات الثقافية في الأراضس المحتلة، ولا سيما في القدس القديمة.

2) القرار 17م/3422 (تشرين الثاني 1972) الذي دعا (إسرائيل) إلى الكف عن تغيير معالم القدس وعن الحفريات الأثرية.

3) القرار 18م/3427 (تشرين الثاني 1974) الذي دان (اسرائيل) لموقفها المناهض لأهداف اليونسكو ولتنفيذ قرارات المؤتمر العام والمجلس التنفيذي بشأن حماية الممتلكات الثقافية في مدينة القدس.

وقد تميز قرار المؤتمر العام العشرين لليونسكو رقم 4/6و7/13 الصادر في تشرين الثاني 1978 بتأكيد القرارات السابقة كلها والاضرار على ضرورة تطبيقها، وبادانة سلطات الاحتلال الاسرائيلية لمخالفتها القرارات الصادرة عن منظمة الأمم المتحدة واليونسكو واستمرارهم في تهويد القدس. وقد جعل القرار “التهويد” من أسباب “الادانة”.

 

المراجع:

 

  • محاضر المجلس التنفيذي لليونسكو ومقرراته.
  • تقرير اليونسكو: “واحد وعشرين عاما من التعاون بين اليونسكو والأونروا 1950-1971”.
  • التقارير السنوية للمدير العام للأونروا المرفوعة إلى منظمة الأمم المتحدة.
  • الاحصاءات السنوية الصادرة عن دائرة التربية لليونسكو والأونروا.
  • قرارات المؤتمرات العامة لليونسكو.

 

الييديش (لغة -): رَ: الأشكنازيون

مقالات ذات صلة